الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
122
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
أما الشطحة نفسها فتمتاز بعدة خصائص : منها أنها بصيغة ضمير المتكلم ، وإن كان هذا الشرط غير متحقق باستمرار . وأنها تبدو غريبة في ظاهرها ، لكنها صحيحة في باطنها ، أو على حد تعبير السراج ( ظاهرها مستشنع ، وباطنها صحيح مستقيم ) . تقدير الصوفية للشطحات : إذا نظر في تقدير الصوفية للشطحات نرى الجرجاني في تعريفاته يقول : إن الشطح : عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى ، تصدر من أهل المعرفة باضطرار واضطراب . وهو زلات المحققين ، فإنه دعوى حق يفصح بها العارف لكن من غير إذن إلهي . وفي هذه العبارة الأخيرة نشاهد الرأي الغالب عند متأخري الصوفية والكتاب عامة ممن لا ينكرون هذه الظاهرة في ذاتها ، ولا يستشنعون الكلمات الشطحية ، بل يرون أن الخطأ الوحيد فيها هو أن أصحابها يفصحون بها دون إذن إلهي . وأصحاب هذا الرأي إنما يريدون التوفيق بين الاعتراف بصحة الشطحيات وبين إنكار ما يدل عليه ظاهرها مما استبشعه أهل السنة وخصوم الصوفية . ولهذا جاء رأيهم هذا غامضاً ، لأنه لا معنى لقولهم : ( دون إذن إلهي ) إذ أن أولئك الذين باحوا بهذه الأسرار لم يشعروا بأنهم أذاعوا أسراراً محرمة . كما أنهم جعلوا كل الشطحيات تتدرج تحت هذا ، ونقصد بالشطحيات كل الكلمات التي تتصف بالخصائص التي أوردناها في أول هذا البحث ، فلم يذكر هؤلاء الكتاب أن ثمة كلمات من هذا النوع قد أذن بها ، وأن أخرى غيرها لم يؤذن بها ، بل كل ما وجدوه مما يخالف المألوف ، عدوه شطحاً ، وإذاً فلا معنى لهذا القول : ( دون إذن إلهي ) إلا إذا كان قد تم الإذن بالنسبة إلى كلمات من نفس النوع ، أما وهذا لم يحدث ، فقولهم هذا غير محصل ، وما لجأوا إليه إلا من باب الاعتذار عن تلك الكلمات دفاعاً عن أصحابها ضد الفقهاء وخصوم الصوفية . ولعل السبب في هذا الدفاع على هذا النحو ما شاهده الصوفية أنفسهم بعد عهد الحلاج من خطر يتهددهم إذا أوغلوا في الشطح . فمن باب الأمن على أنفسهم آثروا أن